
✦ من العار المؤسسي أن يحتاج مواطن سوداني يعيش داخل حدود وطنه إلى انتظار عقود طويلة حتى يسمع صوت إذاعة بلاده! والأكثر إثارة للاستغراب أن تأتي الإجابة بعد كل هذا الغياب في شكل محطتي تقوية لا تتجاوز تكلفتهما خمسين ألف دولار. فأي تخطيط إعلامي هذا الذي ترك مناطق حدودية سودانية رهينة لضعف البث الوطني طوال هذه السنوات؟ وأي أولويات تلك التي جعلت وصول صوت الوطن إلى مواطنيه يبدو وكأنه إنجاز استثنائي يستحق الاحتفال؟ إن حكاية عقيق وحلايب ليست حكاية أجهزة إرسال، بل حكاية غياب مؤسسي يستوجب المساءلة.
✦ في الخامس من نوفمبر 2026، احتفلت هيئة إذاعة وفضائية البحر الأحمر باستلام محطتي تقوية للبث الإذاعي FM، مقدمتين من هيئة الموانئ البحرية، لتركيبهما في محليتي عقيق جنوب الولاية وحلايب شمالها، بهدف تعزيز وصول الإذاعة القومية السودانية وإذاعة ولاية البحر الأحمر إلى سكان المنطقتين.
✦ لا أحد يقلل من أهمية هذه الخطوة أو من مبادرة هيئة الموانئ البحرية، لكن الاحتفاء بالمناسبة ينبغي ألا يحجب السؤال الأهم: أين كانت المؤسسات الإعلامية والحكومية المعنية طوال السنوات الماضية؟ ولماذا تأخر وصول البث الإذاعي السوداني إلى مناطق حدودية بهذه الأهمية الجغرافية والسيادية؟ وهل ظلت عقيق وحلايب خارج نطاق التغطية الإذاعية الفاعلة حتى تذكرتهما المؤسسات الآن؟
✦ إن المسؤولية لا تقع على عاتق هيئة إذاعة وفضائية البحر الأحمر وحدها، وإنما تمتد إلى الإذاعة القومية ووزارة الإعلام والجهات الحكومية والفنية المختصة بالبث والاتصالات، كلٌّ بحسب اختصاصه. ومن حق الرأي العام أن يعرف من وضع خريطة الانتشار الإذاعي، وكيف حُددت أولويات التغطية، ولماذا لم تكن المناطق الحدودية في مقدمة خطط التوسع والتحديث طوال العقود الماضية؟
✦ والمفارقة التي تستحق التوقف أن مواطنين داخل الحدود السودانية يجدون أنفسهم أمام واقع تصل فيه إذاعات دول الجوار، وعلى رأسها إذاعة جمهورية مصر العربية وإذاعة صوت الجماهير الإريترية، بينما لا يصل إليهم صوت الإذاعة السودانية بالكفاءة المطلوبة. وهكذا يصبح المستمع السوداني أكثر قدرة على التقاط موجات الآخرين من التقاط موجات مؤسسات بلاده!
✦ وليس المقصود الاعتراض على استماع المواطنين إلى إذاعات الدول المجاورة، فهذا حق طبيعي، وإنما الإشارة إلى اختلال التوازن في الحضور الإعلامي. فمن حق المواطن السوداني أن يجد إعلام دولته حاضراً في بيته، ينقل إليه أخبار بلاده ويخاطب قضاياه ويعزز ارتباطه الوطني، بدلاً من أن يكون الإعلام الخارجي هو المصدر الأكثر وصولاً إليه.
✦ إن البث الإذاعي في المناطق الحدودية ليس مجرد خدمة ترفيهية أو وسيلة لنقل الأخبار، بل أحد أوجه الحضور السيادي للدولة. فالسيادة لا تقتصر على الخطوط المرسومة على الخرائط ونقاط المراقبة والمعابر الحدودية، وإنما تمتد إلى الحضور الثقافي والإعلامي، وتعزيز الهوية الوطنية، وتقديم الرواية السودانية للأحداث، ومواجهة الفراغ الإعلامي الذي قد تملؤه رسائل الآخرين.
✦ وفي عالم تتنافس فيه الدول على التأثير في الرأي العام، يصبح غياب الإعلام الوطني عن المناطق الحدودية مسألة تستحق اهتماماً استراتيجياً. فالإذاعة القومية والولائية مطالبتان بتقديم محتوى إعلامي جاذب ومؤثر، يتناول قضايا المواطنين المحلية والخدمية والتنموية، ويعكس تنوع المجتمع السوداني، ويجعل المواطن شريكاً في المشهد الوطني لا مجرد مستمع عابر.
✦ هيئة الموانئ البحرية أعلنت عن تقديم محطتي التقوية اللتين تبلغ تكلفتهما نحو خمسين ألف دولار، وهي مبادرة تستحق التقدير. لكن الرقم نفسه يطرح مفارقة مؤسسية ساخرة: خمسون ألف دولار كانت كافية لتوفير محطتين، بينما احتاج وصول صوت الإذاعة السودانية إلى مواطنين داخل حدود بلادهم إلى عقود من الانتظار! فأين كانت الأولويات؟ وأين كان التخطيط؟ وهل كان توفير هذه الخدمة يحتاج بالفعل إلى كل هذا الزمن؟
✦ لسنا بصدد التقليل من قيمة المال أو تجاهل الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد، ولكننا أمام سؤال يتعلق بترتيب أولويات الإنفاق العام. فحين تكون الخدمة مرتبطة بالحضور الإعلامي والسيادي للدولة، يصبح من المشروع التساؤل عن أسباب تأخر توفير احتياجات فنية أساسية، وعن غياب المبادرات الحكومية التي كان ينبغي أن تجعل التغطية الحدودية جزءاً أصيلاً من خطط الإعلام الوطني.
✦ ومن هنا تبرز ضرورة إجراء مراجعة مؤسسية شاملة لخريطة البث الإذاعي في السودان، وحصر المناطق التي تعاني ضعف التغطية أو انعدامها، وتحديد الجهات المسؤولة عن التأخير، والكشف عن الخطط السابقة التي لم ترَ النور، مع إعلان برنامج زمني واضح لاستكمال التغطية الإذاعية في جميع المناطق الحدودية.
✦ كما أن تركيب المحطتين لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف؛ فالمطلوب ضمان تشغيلهما وصيانتهما واستدامة إرسالهما، وقياس مدى تحسن التغطية فعلياً، والاستماع إلى المواطنين في عقيق وحلايب لمعرفة احتياجاتهم. فالاحتفال باستلام الأجهزة لا يساوي شيئاً إذا لم يتحول إلى بث منتظم يصل إلى المستمعين بالجودة المطلوبة.
✦ وعلى هيئة إذاعة وفضائية البحر الأحمر والإذاعة القومية والجهات الحكومية المعنية أن تقدم للرأي العام تصوراً واضحاً عن واقع التغطية الإذاعية، والاحتياجات الفنية والمالية لاستكمالها، وأولويات المناطق التي لم يصلها البث. كما ينبغي التعامل مع الإعلام الحدودي باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإعلامي الوطني، لا مشروعاً ثانوياً ينتظر التبرعات والمناسبات الاحتفالية.
✦ إن المطلوب الآن ليس المزيد من الاحتفالات وتبادل عبارات الشكر والتقدير، وإنما الانتقال إلى مرحلة كشف الحساب المؤسسي. فمن حق المواطنين أن يعرفوا لماذا تأخر وصول إذاعتهم الوطنية، ومن حق الرأي العام أن يطلع على حجم القصور وأسبابه، وأن يتابع التزامات المؤسسات المعنية بمعالجته. فالمحطتان بداية لمعالجة المشكلة، وليستا شهادة بإغلاق ملفها.
✦ إن محطتي التقوية اللتين تسلمتهما هيئة إذاعة وفضائية البحر الأحمر ليستا نهاية القضية، بل بداية مساءلة يجب ألا تتوقف عند حدود الاحتفال والتصريحات. فمن حق الرأي العام أن يعرف من المسؤول عن تأخر وصول البث الوطني، ولماذا تُركت مناطق حدودية سودانية طوال هذه السنوات أمام تفوق إرسال إذاعات دول الجوار؟ خمسون ألف دولار استطاعت أن تعيد فتح ملف ظل مغلقاً لعقود، فهل كانت المشكلة في ندرة المال أم في غياب الأولويات والرؤية والتخطيط؟ إن المؤسسات التي عجزت عن إيصال صوت السودان إلى مواطنيه مطالبة اليوم بتقديم كشف حساب للرأي العام. فليس مقبولاً أن تكون إذاعات الآخرين حاضرة في بيوت مواطنينا، بينما إذاعة بلادهم تحتاج إلى عقود حتى تجد طريقها إليهم. إن السيادة الوطنية لا تحتمل الصمت الإعلامي، والحدود السودانية لا ينبغي أن تكون آخر الأماكن التي يصلها صوت السودان!



